الرئيسية
موقع د. هشام بن عبد الملك آل الشيخ
logo

موقع د. هشام بن عبد الملك آل الشيخ 

القائمة

  • الرئيسية
  • السيرة الذاتية
    • ومضات من سيرة سماحة المفتي
    • تداول أرصدة الائتمان الكربوني
    • بحوث علمية محكمة
    • قيم إسلامية - الجزء الأول
    • مجالس الركن الرابع
    • ملح العلم مجموعة من التراجم
    • نصائح و توجيهات للمصلين
    • المزيد من المؤلفات
  • محاضرات و دروس
    • الإبتسامة
    • حسن الخلق
    • وصايا نبوية
    • إصلاح ذات البين
    • الصبر على الإبتلاء
    • الوقيعة في العلماء
    • يسر الإسلام وسماحته
    • العمل في المجالات التطوعية
  • برنامج قيم إسلامية
  • المقالات
    • أحكام الصيام
    • أنساك الحج
    • العمل بالأحوط
    • روائع من سير الأجداد
    • مسألة من أصول الاعتقاد
    • الموقف الشرعي من الفتن
    • اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد
    • الفقه الإسلامي والتقنيات الحديثة
    • المزيد من المقالات
  • خطب الجامع الكبير
    • التفاؤل
    • القناعة
    • الثقة بالله
    • بر الوالدين
    • فريضة الزكاة
    • العاقبة للمتقين
    • الدعاوى الكيدية
    • فضل يوم عاشوراء
    • الدعاء فضله والحث عليه
    • المزيد
  • خطب الجمعة
    • نعمة الأمن
    • نفع الآخرين
    • إصلاح القلوب
    • خلق العفاف
    • التحذير من الغيبة
    • الحفاظ على المعتقد
    • الشباب هم قوة الأمة
    • قواعد وثوابت في الدين
    • المزيد من الخطب
    • ترجمة مختصرة للوالد
    • الدرعية
    • الكافي
    • الكذِب
    • حمقاء
    • هشام
  • اليوتيوب (opens in new tab)
  • التواصل

بعد عام من الرحيل

مسار التنقل

  • الرئيسية
  • بعد عام من الرحيل
بعد عام من الرحيل

زيارة سماحة الشيخ لي قبل وفاته بأيام رحمه الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد عام من الرحيل


مرَّ عام...
عام كامل منذ أن فقدنا سماحة العم الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
عام مرَّ على رحيله، لكنني، وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر أنني لم أصدق بعد أنه رحل.
أقولها بصدق: لا تزال تنتابني مشاعر بأن الشيخ لم يمت.
أعرف أن الموت حق، وأن هذه سنة الله في خلقه، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن العلماء والآباء والأحبة يمضون كما يمضي الناس، وأننا جميعاً على طريق واحد، وأن اللقاء الحقيقي إنما يكون في دار لا فراق فيها.
أعرف ذلك كله إيماناً ويقيناً.
لكن القلب شيء آخر.
القلب لا يحسب الغياب بالأيام، ولا يقيس الفقد بالسنين، ولا يستجيب بسهولة لما يقوله العقل من أن سماحته قد مات.
فثمة أناس إذا رحلوا، لم يرحلوا من حياتك؛ لأنهم لم يكونوا مجرد أشخاص عابرين في حياتك، بل كانوا جزءاً منها، بل كانوا من الأشياء التي كانت تمنح الحياة معناها وطمأنينتها وألفتها.
وكان العم الشيخ عبدالعزيز رحمه الله واحداً من هؤلاء بالنسبة لي.
بل كان أكثر من ذلك.
كان ملء السمع والبصر.
كان حاضراً في تفاصيل أيامي، يملأ جانباً كبيراً من حياتي ووقتي، قريباً مني قرباً لا أشعر معه أني بحاجة إلى أن أبحث عنه.
ولهذا كان رحيله بالنسبة لي مختلفاً.
لم أفقد عمّاً فحسب.
ولم أفقد عالماً جليلاً فحسب.
فقدت إنساناً كان بالنسبة لي أباً، وعمّاً، ومعلّماً، ووجهاً من وجوه الحياة التي اعتدت أن أراها وأطمئن إلى وجودها.
ولذلك ربما كان من الصعب عليَّ أن أصدق أن ذلك الوجه الذي ألفته عيني منذ طفولتي لن أراه مرة أخرى.
وأن الصوت الذي ألفته أذني، والنبرة التي أعرفها، والطريقة التي يناديني بها، والمجلس الذي كنت أراه فيه، والابتسامة التي كانت تسبق كلماته، كل ذلك أصبح ذكرى.
أي قسوة هذه التي يجعل فيها الموت الإنسان يتعلم أن يعيش مع الذكريات بدل الأشخاص؟
كانت علاقتي بالعم الشيخ رحمه الله علاقة لا تشبه في معناها مجرد علاقة رجلٍ بعمه.
فوالدي الشيخ عبد الملك  رحمه الله كان شقيقه الأكبر، وكان يسكن معه في البيت إلى عام 1403ه تقريباً، وكنت وأنا صغير أعيش في ذلك البيت، ونشأت قريباً منه، فكان العم الشيخ حاضراً في طفولتي وحياتي منذ البدايات.
ثم امتد ذلك الاهتمام حتى بعد أن انتقلت أنا وإخوتي إلى بيت جدي لأمي الشيخ عبدالله بن صالح آل الشيخ رحمه الله.
لم ينقطع ذلك الحضور.
ولم يكن اهتمامه بي اهتمام قريب بقريب فحسب، وإنما كان اهتماماً يحمل معنى الأبوة والعناية والسؤال والحرص، وكان تواصلي معه يومياً إما باللقاء أو بالمكالمة الهاتفية.
وقد أخبرني فضيلة الأستاذ الدكتور زيد بن عبدالكريم الزيد، عميد المعهد العالي للقضاء الأسبق -وفقه الله-، عن موقف لا يزال عالقاً في نفسي، إذ ذكر لي أنه عندما كان عميداً للمعهد، كان سماحة الشيخ إذا جاءه للمعهد لإلقاء المحاضرات يسأله عني ويقول له بالحرف: «كيف هشامنا؟»
هكذا كان يقول... «هشامنا».
كلمة صغيرة في مبناها، لكنها في قلبي كبيرة جداً في معناها.
وأنا أعرف معنى هذه الكلمة من العم رحمه الله ومقدار ما يسكن خلفها من معانٍ.
كان يسأل عني لا من باب السؤال العابر، وإنما من باب الحرص.
وكان يتابعني، ويفرح بي، ويوجهني، ويهتم بشأني.
حتى إنه رحمه الله، لما علم -قبل وفاته بأيام- بالعارض الصحي الذي ألم بي، جاء لزيارتي في بيتي، رغم كبر سنه وضعفه وظروفه الصحية.
ولعل بعض المواقف لا تعرف قيمتها إلا بعد فقد أصحابها.
بعد الموت، تعود إليك التفاصيل الصغيرة على هيئة أشياء عظيمة.
تتذكر سؤالاً قاله لك...
ابتسامة رأيتها منه...
نظرة شعرت معها بالأمان...
مجلساً جلست فيه إلى جواره...
كلمة عابرة قالها لك ثم مضى...
ثم تكتشف بعد سنوات، أو بعد الفقد، أن تلك التفاصيل الصغيرة كانت في الحقيقة أجزاء من حياة كاملة.
كان العم الشيخ رحمه الله بالنسبة لي ملء السمع والبصر.
وكان حاضراً في تفاصيل أيامي، يملأ جانباً كبيراً من حياتي ووقتي.
وكنت معتاداً على وجوده إلى الدرجة التي لم أكن أتخيل معها أن يأتي يوم لا أراه فيه.
وهذه ربما هي أصعب صورة من صور الفقد.
أن تفقد شخصاً لم تكن تتوقع يوماً أنك ستعيش من دونه.
لم أكن أتعامل مع وجوده باعتباره شيئاً مؤقتاً سينتهي.
كان وجوده عندي من ثوابت الحياة.
كما أن للإنسان بيتاً يعرف أنه سيعود إليه، وأهلاً يعرف أنهم ينتظرونه، وأماكن يعرف أنه سيجدها حين يذهب إليها؛ كان العم الشيخ رحمه الله  بالنسبة لي من تلك الأشياء الثابتة التي لا تخطر على البال فكرة فقدها.
ولهذا حين رحل، لم أفقد شخصاً فقط.
فقدت ركناً من أركان الحياة التي كنت أعرفها.
ومنذ وفاته، وأنا أتعلم شيئاً لم أكن أريد أن أتعلمه: «أن بعض الوجوه لا يعوضها شيء».
وأن بعض الناس إذا ذهبوا، بقيت أماكنهم في القلب خالية مهما امتلأت الحياة من حولك.

* * *

مر عام، وما زلت أشتاق إليه.
والشوق إليه ليس شوقاً إلى ذكرى بعيدة.
إنه شوق إلى محياه.
إلى وجهه... إلى ابتسامته... إلى صوته... إلى مجلسه.
إلى تلك الطمأنينة التي كان وجوده يمنحها لمن حوله.
وأحياناً أتمنى، ولو للحظة واحدة، أن أراه كما كنت أراه من قبل.
لا أريد حديثاً طويلاً... ولا أريد موقفاً كبيراً... أريد فقط أن أراه.
أن أرى وجهه... أن أسمع صوته... أن أجلس في المكان الذي يجلس فيه.
أن أعيش دقائق قليلة من ذلك الزمن الذي كنت أظنه طويلاً، ولم أكن أعرف أنه سيمضي بهذه السرعة.
لكن الموت لا يعيد أحداً.
وهذا هو الجزء الذي يؤلم.
أن تعرف أنك تستطيع أن تستعيد كل شيء إلا الشخص الذي تشتاق إليه.
تستطيع أن تعود إلى المكان... أن تقرأ الكتب... أن تستمع إلى تسجيل صوتي... أن تسأل عنه من عرفه... أن تستعيد صوره ومواقفه... لكن لا تستطيع أن تعيد الإنسان نفسه.
وأشد ما يحرك الشوق في داخلي أن ألتقي بأحد من جلسائه أو طلابه.
أحياناً أرى واحداً ممن لازموا مجالس العم الشيخ رحمه الله، فإذا بي أشعر أن الرجل الذي أمامي يحمل شيئاً من رائحة تلك الأيام.
مجرد رؤيته قد يفتح في القلب باباً كنت أحاول أن أغلقه.
فإذا تحدث عن الشيخ، أو ذكر موقفاً له، أو قال كلمة كان العم يقولها، أو حدثني عن مجلس من مجالسه، أشعر أن الشوق يعود كله دفعة واحدة.
كأنَّ عاماً كاملاً لم يمر.
وكأن الموت لم يقع.
وكأنني قبل قليل كنت هناك.
في مجلسه... أراه... وأسمعه... وأشعر بقربه... ثم أعود إلى الحقيقة: «لقد رحل رحمه الله».
وأحياناً لا أحتاج حتى إلى أن يحدثني أحد عنه.
يكفي أن أعرف أن الذي أمامي كان من جلسائه.
فتتغير مشاعري.
ويتحرك في داخلي شيء لا أستطيع أن أصفه.
لأنني لا أرى فيه شخصاً فقط.
أرى باباً إلى العم الشيخ.
وأرى من خلاله شيئاً من ذلك الزمن الذي فقدته.
ولعل من أعجب ما في الفقد أن الإنسان بعد موت من يحب يصبح متعلقاً بكل شيء يمت إليه بصلة.
فتجد نفسك تحب الأماكن التي كان يحبها.
وتشتاق إلى المجالس التي كان يجلس فيها.
وتتعلق بأصحابه وطلابه.
وتفرح بمن يحكي لك عنه.
وتتوقف طويلاً عند صورة قديمة.
وقد تعيد سماع تسجيل لصوته، لا لأنك تبحث عن معلومة، وإنما لأنك تريد أن تسمع صوته فقط.
الصوت الذي كان جزءاً من الحياة اليومية.
الصوت الذي كنت تسمعه فتطمئن.
ثم صار سماعه بعد وفاته ينكأ في القلب جرحاً عميقاً.
وكم من مرة سمعت حديثاً له أو موقفاً عنه، فشعرت أنني لا أستمع إلى شيء من الماضي، وإنما أستمع إلى شخص قريب مني، ثم فجأة أتذكر أنه لم يعد هنا.
وهنا يعود الفقد من جديد.

* * *

كان العم الشيخ رحمه الله عالماً كبيراً قبل أن يكون بالنسبة لي عمّاً.
كان عالماً ربانياً عاش للعلم وخدم الدين، أمضى أكثر من ستين عاماً في التعليم والتدريس، في المعاهد وكليات الشريعة والمعهد العالي للقضاء، وفي بيته ومسجده، وعبر الدروس والاتصالات، وتخرج على يديه أجيال متتابعة من طلبة العلم.
وكانت حياته حافلة بالعلم والعمل والعبادة والزهد والتواضع.
كان قلبه معلقاً بالمسجد، لا ينقطع عن إمامة الفروض إلا لعذر السفر أو المرض، وكان له مجلسان مفتوحان أسبوعياً للقراءة في التفسير والحديث والفقه والمختصرات والمطولات.
وكان، رحمه الله، شديد العناية بالقرآن والعلم، معروفاً بالتواضع والابتسامة والحرص على الناس، ولا سيما الضعفاء والفقراء وطلبة العلم.
هذه كلها حقائق يعرفها القريب والبعيد.
لكنني حين أتحدث عنه اليوم، بعد عام من رحيله، لا أستطيع أن أكتب عنه بوصفه شخصية علمية فقط.
فأنا لا أكتب عن «المفتي» وحده... 
بل أكتب عن والدي وعمي وأستاذي وشيخي ومعلمي وموجهي.
عن الرجل الذي كان حضوره في حياتي أكبر من أن تختصره سيرة أو ترجمة.
عن ذلك الإنسان الذي كان حاضراً في طفولتي وشبابي وكهولتي وأيامي، وظل قريباً مني حتى آخر حياته.

* * *

لقد كان الشيخ (رحمه الله) من أولئك الرجال الذين يصعب أن تضع لهم وصفاً واحداً.
كان عالماً، ومفتياً، ومدرساً، وخطيباً، ومربياً، وناصحاً، وعابداً، وقريباً من الناس.
وكان في حياته يعيش البساطة التي تجعل الكبير قريباً.
لم يكن يحب أن يعرف نفسه بالألقاب.
وكان إذا طلبه أحد على الهاتف قال: «معك عبدالعزيز بن الشيخ» أو «عبدالعزيز آل الشيخ».
هذه البساطة كانت جزءاً من شخصيته.
وكان لا يحب الثناء عليه، بل كان يخشى أن يحمل الناس عنه ما لا يرى هو أنه يستحقه، وكان يردد الدعاء المعروف: «اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون».
هكذا كان.
كلما كثر الثناء عليه، زاد تواضعه.
وكلما اتسعت مكانته عند الناس، ازداد شعوره بأنه عبد من عباد الله، وأن العلم أمانة، وأن المكانة تكليف لا تشريف.
وقد بقيت هذه المعاني حاضرة في سيرته، كما بقي أثره في تلاميذه ومجالسه وعلمه.

* * *

لكن ماذا يفعل الإنسان أمام الفقد؟
هل تكفي السيرة؟
هل تكفي الكتب؟
هل يكفي أن تقول إن أثره باق؟
نعم، تكفي في الحديث عن العالم.
لكنها لا تكفي في مواساة القلب.
القلب يريد صاحبه... يريد وجهه... يريد صوته... يريد مجلسه.
يريد أن يعود إلى الأيام التي كانت فيها الأشياء طبيعية، ولم يكن أحد يفكر أنها ستصبح يوماً ذكريات.
ولهذا أقول: «لا تزال تنتابني مشاعر بأن الشيخ رحمه الله لم يمت».
ربما يستوعب العقل أن سنة مرت... لكن القلب لا يزال واقفاً عند لحظة الرحيل.
وكأن الزمن بعده لم يسر بالطريقة نفسها.
نعم، الأيام مضت.
والناس عادوا إلى أعمالهم.
والمجالس امتلأت.
والحياة استمرت.
لكن في داخلي بقي شيء لم يتحرك من مكانه.
شيء يقول:
كان هنا.
وكان قريباً.
وكان يمكن أن أراه.
وكان يمكن أن أسأله.
وكان يمكن أن أسمع صوته.
ثم لم يعد ذلك ممكناً.
وأحياناً أتساءل:
كيف يمكن لعام واحد أن يكون طويلاً جداً وقصيراً جداً في الوقت نفسه؟
طويلاً لأنه حمل كل هذا الشوق... وقصيراً لأنني لا أزال أشعر أن وفاته كانت بالأمس.
ربما لأن الفقد الحقيقي لا يقاس بالزمن.
يمكن أن يمر عام أو عشرة أعوام، ويبقى الشخص حاضراً في القلب بالدرجة نفسها.
وقد يكون الإنسان بين الناس، يضحك ويتحدث ويعمل ويؤدي واجباته، لكن في داخله مكان لا يدخله أحد.
مكان يحمل فيه وجه من فقد.
وهذا هو مكان العم الشيخ في قلبي رحمه الله.

* * *

رحم الله العم الشيخ عبدالعزيز.
رحم الله الرجل الذي كان كبيراً في علمه، كبيراً في مسؤوليته، كبيراً في أثره، لكنه كان في تعامله مع الناس قريباً متواضعاً بسيطاً.
رحم الله من عاش للعلم وخدم الدين، ونفع الناس، وربى أجيالاً من طلبة العلم، وترك بعده علماً ينتفع به، وتلاميذ يحملون أثره، ومجالس بقيت رائحتها في ذاكرة من عاشها.
ورحمه الله رحمة خاصة من أجل تلك الأبوة التي وجدتها منه.
رحمه الله عن كل سؤال سألني إياه.
وعن كل موقف وقف معي فيه.
وعن كل كلمة قالها لي.
وعن كل دعاء دعا به لي.
وعن كل مرة نظر فيها إليّ بعين الأب المشفق، وبقلب المربي الحريص.
رحمه الله عدد الأيام التي جمعتني به، وعدد السنوات التي كنت أظن أنها ستطول.
رحمة الله تغشى ذلك الوجه الذي أشتاق إلى رؤيته.
وصاحب ذلك الصوت الذي أشتاق إلى سماعه.

* * *

رحلت يا عم، لكنك لم ترحل من قلبي.
رحلت عن أعيننا، ولم ترحل عن ذاكرتنا.
غبت عن حياتنا، وبقيت سيرتك في مجالسنا.
غاب وجهك، وبقي أثرك.
غاب صوتك، وبقيت كلماتك.
غاب جسدك، وبقي علمك.
غاب حضورك، لكن بقيت الأبوة التي عشتها منك، وبقيت في القلب مساحة لا يشغلها أحد.
لقد بقي منه علم، وبقي منه دعاء، وبقي منه أثر، وبقي منه تلاميذ، وبقيت منه سيرة، وبقيت منه ذكريات، وبقيت منه في القلب أشياء كثيرة لا يستطيع الموت أن يأخذها.
وكلما اشتقت إليه، رفعت يدي بالدعاء:
اللهم اغفر للعم الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، وارحمه رحمة واسعة، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجزه عن الإسلام والمسلمين وعن العلم وأهله خير الجزاء.
اللهم اجعل ما علَّم، وما أفاد، وما بذل، وما قدَّم، وما ربَّى، وما نصح، في ميزان حسناته.
اللهم اجعل القرآن أنيسه، والعلم شاهداً له، والعمل الصالح رفيقه.
اللهم اجمعنا به في دار لا فراق فيها، واجمعنا بوالدينا وأحبتنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وإلى أن يأتي ذلك اللقاء الذي لا فراق بعده...
سيبقى في القلب شيء منك يا عم.
شيء لا يصفه الكلام.
وسيظل الشوق إليك يأتي فجأة، من كلمة، أو مجلس، أو صوت، أو ذكرى.
وسأظل كلما التقيت بأحد ممن عرفوك، أبحث في حديثه عنك، وأستعيد من خلاله شيئاً من حضورك.
وسأظل، رغم مرور الأعوام، أفتقدك.
لأن بعض الناس لا يصبحون ذكرى بعد موتهم.
بل يصبحون جزءاً من الإنسان نفسه.
وأنت يا عم كنت جزءاً من حياتي، وكنت ملء سمعي وبصري، وكنت قريباً مني قرب الأب من ابنه.
وإن كان لي من رجاء بعد هذا الفقد، فهو أن يطول بي العمر على طاعة الله، وأن أبقى وفيّاً لما تعلمته منك، وأن يكون ما بقي من حياتي امتداداً لما أحببته فيك من علم، وعبادة، وتواضع، وخدمة للناس، وأن يكتب الله ذلك كله في ميزان والديَّ وميزانك
رحمك الله يا عمي... رحمك الله يا شيخي... رحمك الله عدد ما اشتاقت إليك القلوب، وعدد ما دعا لك محبوك، وبعدد ما بقي من أثرك في تلاميذك وأهلك ومن عرفك.
عام مضى على رحيلك، لا تزال تنتابني مشاعر بأنك لم تمت.
ولعلي لا أحتاج أن أستوعب ذلك تماماً...
يكفيني أن أعرف أنك عند رب رحيم، وأن ما عند الله خير وأبقى.
وأن لنا، بإذن الله، موعداً آخر...
هناك، حيث لا موت، ولا فراق، ولا وداع.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وجمعنا بك فيها على سرر متقابلين.

كتبه
هشام بن عبد الملك بن عبد الله آل الشيخ
1/4/1448ه
 

عناوين متعلقة

مسألة من أصول الاعتقاد

تقرير دعوي عن دولة بلغاريا

وفاة الأمير نايف بن عبد العزيز

رحيل سلطان الخير، والقائد الحكيم، ورجل البذل والعطاء

ياسر القحطاني كشف عن معدنه وحفّز زملاءه لمبادرات خيرية

بحث

جميع الحقوق محفوظة لموقع د. هشام بن عبد الملك آل الشيخ 2026